السعيد شنوقة
338
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
المحبوب لصورة تزينت للنفس وذلك من صنعه . وتزيين الشيطان بإذكاء ما وقع من إغفاله مما مثله يدعو لي نفسه لزينته ؛ فالله تعالى يزين بالوضع والشيطان يزين بالأذكار » « 1 » . وذكر القرطبي ( ت 671 ه ) أن مجاهدا ومحمد بن قيس قرأ على بناء الفاعل لكن النحاس قال : هي قراءة شاذة لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر . ثم أضاف أن ( المزين ) هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ، وأن الشيطان يزينها أيضا بوسوسته وإغوائه ، وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة ، ولإقبالهم على الدنيا ، وإعراضهم عن الآخرة بسببها . وقد جعل الله ما على الأرض زينة ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا « 2 » . ونصّ أحمد بن المنير ( ت 683 ه ) في هذا السياق على أنّ التزيين ورد مضافا إلى الله تعالى ، وجاء مضافا إلى غيره في مواضع أخرى من آي الذكر الحكيم ؛ بيد أنه في الآية يحتمل الوجهين لكن الإضافة إلى قدرة الله تعالى حقيقة ، وأما إضافته إلى غيره فمجاز . وهو ما يقول به أهل السنة ، وبيّن أن الزمخشري يعمل على عكس هذا أي إن أضاف الله فعلا من أفعاله إلى قدرته جعله مجازا . وإن أضافه إلى بعض مخلوقاته جعله حقيقة « 3 » . ولا يخفى أن هذا التعارض بين الفرقتين في مثل هذه المسائل ملحوظة في غير موضع ، ولا ريب في أنه يعكس الخلاف بينهما كمثل خلافهم في قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] وقوله عز وجل : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] فبينما تمسّك المعتزلة بالمعنى اللفظي للنفي العام في هذه الآية الأخيرة تجد أهل السنة يتأولونه . ولا لعجب إذا وجدت النقيض من هذا في الآية
--> ( 1 ) زاد المسير في علم التفسير ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، ط 3 ، 1404 ، ج 1 ، ص ، 228 مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي 1999 ، الأردن . ( 2 ) انظر الجامع لأحكام القرآن ، ج 3 ، ص 28 . ( 3 ) انظر الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص ، 354 وانظر النسفي ( ت 710 ه ) ، مدارك التنزيل وحقائق التأويل ، ج 1 ، ص ، 101 وكذا تفسير البيضاوي ( 791 ه ) ، تحقيق عبد القادر عرفات العشا حسونة ، دار الفكر بيروت 1996 ، ج 1 ، ص 495 ، وكذا أبو السعود ( ت 951 ه ) ، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ( د . ت ) ، ج 1 ، ص 213 .